من نعم الله عليّ أن لي حمارًا أجلس إليه أحيانًا لأناقشه في شؤون الحياة؛ فهو – على جهله – أصدق فهمًا من كثير من البشر. وفي إحدى تلك الجلسات حكيت له قصة البنت الهندية .
وبينما كنت أشرح للحمار نظرية الجمال في بلاد الهند، قلت له:
كانت البنت "ميناتي هاتو" هندية… لكن يا حمار، هندية من النوع الفاخر، مش أي هندية والسلام. يعني لو شافها مهراجا هندي كان قال: "دي لازم تبقى بنتي رسمي!"
عينان سوداوان واسعتان كعيون المها، وصفاء مقلتيها كصفاء السماء بعد ما الحكومة تكنسها من الغيوم. هيفاء القوام، وثغرها فاتن من غير "روج"، وما بتحطش على شعرها "الزَّنجُفَر".
هأ… هأ… ههههه!
إيه بقى؟ هيه… هيه… دي يا حمار؟
أصلك يا فرشوطى أفندي عندك قدرة عجيبة على الكلام اللي يموت من الضحك. طيب فهمنا إن "ميناتي هاتو" هندية وجميلة وثغرها فاتن… لكن إيه حكاية "الزَّنجُفَر" ده؟ اسم أكلة هندية مثلًا؟
قلت له وأنا أتنهد من ثقل جهله:
يا حمار… "الزَّنجُفَر" ده صبغة حمراء نسوان الهند بيحطوها في فرق الشعر. اسمها الفيرميليون. ولما تشوف واحدة هندية حاطة الصبغة دي تعرف إنها متجوزة، وجوزها لسه حي يرزق ولم يفرّ بعد.
فقال الحمار وقد أشرق وجهه إشراق طفل اكتشف الحلاوة الطحينية:
أيوه… يا حلاوة يا ولاد! يعني البنت "ميناتي هاتو" ما بتحطش "الزَّنجُفَر"! يبقى الطريق مفتوح قدام فرشوطى باشا. أكيد البنت وقعت في غرامك وفكراك "شاروخان" الوطن العربي… أو يمكن "شاهيد كابور" بتاع الغلابة. ما هو طربوشك ده عامل تأثير نفسي خطير.
قلت ضاحكًا:
يا ريت يا حمار.
فصرخ الحمار كمن اكتشف مؤامرة كونية:
طب ما تقول من الأول! إيه حكاية البنت دي؟
قلت:
البنت يا حمار صعبانة عليّ… لأنها وقعت في غرام شاب وسيم اسمه "سيتاكانت روتراي".
هز الحمار رأسه بأسى شديد وقال:
والنبي "ميناتي هاتو" دي بنت خايبة قوي. تسيب المهيب الركن فرشوطى على سنه ورمح… وتقع في غرام واحد اسمه "سيتاكانت"! الاسم نفسه محتاج ترجمة.
قلت:
يا حمار، بلاش تخرب اللغة الهندية. الواد اسمه "سيتاكانت روتراي"، شاب مهذب، عذب اللسان، مسبسب الشعرتين، يعني نسخة هندية من العريس المثالي.
قال الحمار:
طيب وبعدين؟
قلت:
اتقدم لخطبتها… وبعد ما أعجب العيلة كلها وافقوا فورًا.
فتح الحمار عينيه كأنني أخبرته بأن الناس هناك يتزوجون بلا لجنة تفتيش وقال:
بسرعة كده؟! ومن غير خاطبة تشوف كعوب رجليها؟ ولا يسألوا عند الجيران إن كان عنده شقة ولا عربية ولا نيش؟
قلت:
يا حمار، الناس دي مش زينا. عندهم العادات مختلفة.
قال:
طبعًا مختلفة… دول هنود. وأنا طول عمري بحلم أتجوز أتانة من بوليوود.
قلت:
المهم… بحسب عاداتهم عائلة العروس هي اللي بتدفع المهر للعريس.
قفز الحمار قفزة تاريخية وقال:
يا سلام! يعني أهل "ميناتي" هم اللي دفعوا للواد "سيتاكانت"؟ والمهر كان إيه؟
قلت:
حاجات بسيطة… عربية، وصيغة دهب، ومبلغ نقدي حوالي ستمائة دولار.
هنا نهق الحمار نهقة انتصار، ثم اندفع يجري وهو يغني:
"بدنا نتجوز على العيد من الهند… وبكره نلبس الجديد… أنا رايح الهند!"
جريت وراءه حتى انقطع نفسي، ثم أمسكت به وقلت:
اصبر يا حمار… القصة لسه ما خلصتش.
نظر إليّ هامسًا:
خلاص فهمت… الواد اكتشف إن "ميناتي" صبغت شعرها بالزَّنجُفَر.
قلت:
لا يا عبقري العصر.
فكر قليلًا ثم قال بابتسامة واسعة:
يبقى الواد هو اللي حط الزَّنجُفَر.
قلت:
يا ريت… بعد سنة من الجواز بدأت "ميناتي" تشك.
قال الحمار:
ليه؟ الواد طلع بيحب النوم بدري؟
قلت:
الواد أقنعها بحجة دينية إنه لن يقترب منها أبدًا… وأنه قطع عهدًا مقدسًا ألا يجامع امرأة… حتى لو كانت زوجته.
قال الحمار مذهولًا:
يعني البنت فضلت سنة كاملة متجوزة المخدة؟
قلت:
تقريبًا.
قال:
يا عيني يا ميناتي… وقعتي في النسخة الهندية من "الشيخ الزاهد".
قلت:
وفي يوم قررت تتأكد بنفسها. دخلت عليه وهو بيستحم.
قفز الحمار:
أكيد لقيت معاه واحدة تانية!
قلت بهدوء:
لا يا حمار…
اكتشفت إن الشاب الوسيم زوجها "سيتاكانت روتراي"… امرأة.
سكت الحمار لحظة…
ثم انفجر ضاحكًا حتى كاد يقع على ظهره وهو يقول:
والله يا فرشوطى…
الدنيا دي مسرح كبير…
وإحنا فيه… مجرد حمير متفرجين!
الجمهورية والعالم
دنيا الرأى
مصرس

تعليقات
إرسال تعليق
فرشوطيات تشكركم على هذا التعليق الرائع -ونتمنى لكم اياما جميلة - ويسعدنا تكرار الزيارة ,