التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حمار فرشوطى وحرب الأهطلين


كتب – فرشوطى محمد - كنت قد دعيت لحل خلافا وقع بين قبيلتين امتد لنحو عدة أعوام بسبب تعدى احد أفراد القبيلة على معزة حامل وقام بذبحها وإلقاء جلدها على احد أفراد القبيلة الاخري . ونجحنا ومعى عدد غفير من مشايخ ونواب واعيان من القبيلتين فى إنهاء هذا الخلاف ...والحمد لله انى كنت سببا فى لم الشمل وإبرام صلحا بينهم ...بعد عدة ساعات من التشاور والتباحث .وبعد ذلك ذبحت الذبائح وأكلنا وشربنا .... وتصافحنا .. وركبت حماري وسرنا فى الطريق الصحيح للوصول الى البيت. نظرت لكل الأشياء التي تحيطنا بتأمل ... دارت رأسي كا الكورة بين أرجل اللاعبين ..وضحكت عندما تذكرت المذابح التى تحدث بين القبائل العربية بسبب ناقة او حمار.
نهق الحمار صارخا ... ياحج فرشوطى ايه حكايتك مع الحمير اليومين دول؟
قلت : مش عارف ياحمار .الظاهر أحنا أول من دافع عن حقوق الحيوانات وقومنا بحروب طويلة من أجلهم اكثر من الحروب العالمية .
قال الحمار: اكيد طبعا ... وكم مات منكم بنى البشر فى حروب ليس لكم فيها ناقة ولا جمل .
قلت: ازاى بقى دا احنا كان لنا فيها ناقة وجمل ومعزة وحمار كمان.
قال الحمار ضاحكا : بلاش الحمير فنحن مختلفون وكثيرا من جميلات العالم تدافع عنا.
قلت : قصدك بريجيت باردوا؟
قال الحمار : وغيرها وغيرها .....(وصمت فترة) ثم قال :بقولك ايه انا تعبت من المشي والجو كان حر ماتيجى نقعد تحت شجرة نريح شوية.
أخرجت الشيشة الفرشوطية من الغبيط .. وأشعلت الفحم ..
وأخذت أكركر،ثم أخرجت النفس في سحابة كبيرة من الدخان .
مرت سيارة شرطة من أمامنا وتوقفت على مقربة منا .
قال الحمار هامسا: اطفي الشيشة يا فرشوطى افندى ... أحسن يخدوك تحري وارجع لوحدى.
قلت : دول بيدورا عليك يا حمار .. علشان المذبحة اللى حصلت بسببك .
قال الحمار بخوف : بسببى ؟انا مالى  ... ما انا معاك من الصبح ...وحلينا مشكلة ولا مشكلة البسوس فى الجاهلية.
قلت : خلاص اعترف .
ضحك الحماروقال: انت عفريت يافرشوطى افندى ومبتتعبش من الحكايات ابدا ...والحكاية وما فيها ... ان حمارة
تملكها عشيرة “بني عباس اغتصبها حمار بني “مكابس” في الهواء الطلق.. ومن أجل ذلك  حصلت مذبحة قبلية .
قلت : طيب دول حمير مع بعض ايه بقى سبب الحرب بين القبلتين؟
قال الحمار: السبب بسيط صاحب الحمارة شاط غضبا واحس بغيرة شديدة ... ليه وليه حمار بنى مكابس يغتصب حمارته فى الهواء الطلق - ونزل ضرب فى الحمارة لحد ما كسر عضمها... قوم أيه - بنى مكابس خدتها العزة والكرامة
واجتمعت لبحث الأوضاع وكان قرارهم تأديب الراجل صاحب الحمارة .... وفضلوا يضربوا فيه لما "طفحوه" الكوتة.... وتطور الأمر بين العشيرتين إلى حد استخدام الأسلحة النارية والقنابل اليدوية.
- كل دا علشان حمار اعتدى على حمارة فى الهواء الطلق ؟ وفيه حد مات ياحمار؟
قال الحمار :ايوه كل دا علشان الاعتداء تم فى الهواء الطلق - ومات كتير يافرشوطى افندى - حوالى عشرين فرد من الطرفين بين قتيل وجريح
.
قلت : علشان كدا بقى الشرطة واقفة تراقبك.
قال الحمار مرتبكا : اقسم لك بأنى بريء مما يفعله البشر.
قلت هامسا : انها حرب الأهطلين ايها الحمار... لم نتقدم لحظه من قبل وبعد
داحس والغبراء.
قال الحمار : هيا بنا أحسن الشرطة تكون بتراقبتا ويمكن يقبضوا علينا بتهمة الكلام فى السياسة.
تركنا المكان ... ومشيت بجوار الحمار نتحدث فى امور الحياة .
سألنى الحمار عن حكاية الأهطلين . قلت له .. انها قصة بدأت بالجدال بسبب حصان اسمه داحس
وكان صاحبه يدعى (قيس بن زهير العبسي) و(الغبراء) هو اسم فرس شهيرة كانت لـ (حمل بن بدر الذبياني).(مع العلم ان قبيلتا عبس وذيبان في الأساس هما أولاد عمومة) قوم أيه عمك قيس بن زهير جادل ابن عمه حمل الذبيانى( .رفع الحمار رأسه وكأنه فهم ما أقول).. وقال : وايه المشكلة احنا طول عمرنا ماورناش غير الجدل فى الفاضى والمليان .. وبنيجى فى الهايفة ونصدر . وتلاقى المشكلة طلعت على فشوش.
قلت :لا ياحمار فشوش ايه !! دا الجدال استمر فترة كبيرة قوى.

سألنى الحمار: والجدال ده كان علشان أيه ؟ يكنشي  كان علشان الفساد والمؤامرات الداخلية والخارجية والجلوس على الكرسي. ولا علشان اح عبد الظاهر وإشارة رابعة؟
قلت : لا ياحمار ولا رابعة ولا خمسة - دا الجدل كان علشان أي الخيلين أسرع واقوي: الحصان (داحس) ولا الفرس (الغبراء)
قال الحمار: عادى ... وشيء وارد .. و
الصراع ده دائر حالياً وفى كل ألازمنه حتى داخل العائلة الواحدة.
قلت :المهم انهم اتفقا على اجراء سباق ورهان على ان الخيل اللى تسبق يفوز صاحبه بـ(100) بعير..
قال الحمار : وبدأ السباق .وتلاقيه كان ولا سباق الفورملا واحد.
قلت : طبعا ياحمار بس بعد التحضير ووضع الشروط المناسبة لهذا السباق التاريخى الذي استغرق عدة أيام قطع خلالها الفرس والحصان شعاب صحراوية كثيرة وغابات..
قال الحمار مقاطعا : واكيد كان فيه مراقبين من الأمم المتحدة ومشجعين ولا الالتراس..
قلت: صحيح انت حمار ... أمم أيه وبتاع ايه ... واشارة ايه - انت مش ملاحظ ان كله عند العرب صابون.
قال الحمار: زحاليق يا فرشوطى افندى زحاليق - هيه حصل ايه تانى ؟
قلت : قبل السباق بدأ الغش والغدر من بن بدر الذبياني صاحب الغبراء اذ انه اوعز لافراد من قبيلته واتباعه المخلصين ان يذهبوا بعيدا ويختبئوا في تلك الشعاب وقال لهم: اذا وجدتم (داحس) متقدما على (الغبراء) في السباق فردوا وجهه واخروه وخوفوه كي تسبقه الغبراء.
- يعنى نصبوا لداحس وفارسها كمينا ؟
- دا كان كمين مرعب قوى ياحمار سقط داحس وفارسه على الارض وتأخر فترة عن السباق..
قال الحمار مقاطعا : وطبعا فازت الغبراء في السباق ووصلت قبل داحس
.
قلت : فعلا ولكن
انكشف الامر بعد ذلك وعُرفت الخديعة التي تعرض لها داحس وصاحبه قيس العبسي .
قال الحمار: وبكده الدنيا ولعت واشتغلت الفتنة بين القبيلتين.
قلت :ايوه ... ولكن بعدما تطاول (حذيفة الذبياني) على (قيس العبسي) فهجم قيس العبسي على حذيفة فأرداه قتيلا.. فثارت قبيلة ذبيان على قبيلة عبس وقتلوا منهم (مالك العبسي) وهو شقيق (قيس العبسي).. وهكذا امتدت نار الفتنة وبدأت الحرب بينهما .
قاطعنى الحمار قائلا : كل دا بسبب السباق ... امال لو كان علشان سباق علمى ولا فكري كان حصل ايه؟ والحرب دى قعدت كتير؟
قلت : دامت مدة 40 عاما فقط .
قال الحمار: اربعين سنة بس !!. مش شويه يافرشوطى افندى بالنسبة للعقول دى ؟
قلت : شوية طبعا .. ولكن هذه الحرب أظهرت القدرات القتالية والشعرية لكل من فرسان وشعراء القبيلتين.ووقف الشاعر الفحل عنتر العبسي يقول
:ولقد وددت تقبيل السيوف لانها لمعت كبارق ثغرك المتبسم.
ويقول الشاعر الربيع بن زياد: فان تك حربكم امست عوانا فاني لم اكن ممن حباها فاني غير خاذلكم ولكن.. سأسعى الان اذ بلغت مداها.
قال الحمار:من حرب المعزة ... لحرب الناقة ... لحرب الحمير ياقلبى لا تحزن.
قلت :لا وانت الصادق انها حرب الأهطلين.
------
-->

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحراء الفكر: رحلة البحث عن الحقيقة

  كنت تائهًا في الصحراء، أسير بلا اتجاه، كأن الرمال تمتد بلا نهاية، والأفق يبتلع قدميّ مع كل خطوة.  الليل قد حل، والقمر يضيء السماء بنوره الفضي، يلقي ظلاله على كثبان الرمال كأنه يراقبني بصمت. شعرت بالإرهاق، فبحثت عن مأوى حتى وجدت شجرة وحيدة تقف كحارس قديم وسط العدم. جلست تحتها محاولًا استعادة أنفاسي، وفجأة، رأيتها. امرأة تجلس هناك، وكأنها جزء من المشهد، عيناها تعكس ضوء القمر، وملامحها هادئة كأنها لم تتوه قط.  شعرت أنني لم أصل إلى الشجرة صدفة… كان لا بد أن ألتقي بها، وكان لا بد أن يدور هذا الحوار   الرجل : هل أنتِ حقيقية أم أنني أهذي من العطش؟ المرأة : أنا حقيقية بقدر ما تريدني أن أكون. لكن السؤال الأهم… هل تعرف من أنت؟ الرجل : كنت أعتقد أنني أعرف، لكن الصحراء تسلب منك كل يقين… تجعل كل شيء يبدو بلا معنى . المرأة : ربما لأن المعاني التي كنت تحملها لم تكن حقيقية منذ البداية، بل مجرد أوهام صُنعت لك، فصدّقتها دون أن تسأل . الرجل : ولهذا أريد أن أمسح كل شيء… أن أبدأ من جديد. كل ما نعرفه—اللغة، القوانين، الأديان، حتى طريقة تفكيرنا—كلها صُنع بشري، لكنها تُفرض عل...

"الزٌنجٌفر" الهندي" وميناتى هاتو" وحمار فرشوطى

كتب - فرشوطى محمد من نعم الله عليّ أن لي حمارًا أجلس إليه أحيانًا لأناقشه في شؤون الحياة؛ فهو – على جهله – أصدق فهمًا من كثير من البشر. وفي إحدى تلك الجلسات حكيت له قصة البنت الهندية . وبينما كنت أشرح للحمار نظرية الجمال في بلاد الهند، قلت له: كانت البنت "ميناتي هاتو" هندية… لكن يا حمار، هندية من النوع الفاخر، مش أي هندية والسلام. يعني لو شافها مهراجا هندي كان قال: "دي لازم تبقى بنتي رسمي!" عينان سوداوان واسعتان كعيون المها، وصفاء مقلتيها كصفاء السماء بعد ما الحكومة تكنسها من الغيوم. هيفاء القوام، وثغرها فاتن من غير "روج"، وما بتحطش على شعرها "الزَّنجُفَر". هأ… هأ… ههههه! إيه بقى؟ هيه… هيه… دي يا حمار؟ أصلك يا فرشوطى أفندي عندك قدرة عجيبة على الكلام اللي يموت من الضحك. طيب فهمنا إن "ميناتي هاتو" هندية وجميلة وثغرها فاتن… لكن إيه حكاية "الزَّنجُفَر" ده؟ اسم أكلة هندية مثلًا؟ قلت له وأنا أتنهد من ثقل جهله: يا حمار… "الزَّنجُفَر" ده صبغة حمراء نسوان الهند بيحطوها في فرق الشعر. اسمها الفيرميليون. ولما تشوف واحدة هندية...

من وصفة "مرقة الفرخة" إلى مستشفيات السبع نجوم: ماذا تغير؟

  الناس اللي قاعدة تتكلم عن الغلاء وفروق الأسعار بين زمان ودلوقتي... زمان يا زعبولة ما كانش فيه لا تلفون ولا شيبسي ولا عربيات مرسيدس. كنا عايشين على لمبة الجاز، بنشرب من الترعة، وبنغسل هدومنا فيها. اللحمة كانت رفاهية بنشم ريحتها كل جمعة، وكل الأسبوع بناكل جبنة قديمة ومش ولما الحظ يبتسم شوية نحلي بسكر سف .   وكان اللي عنده عجلة صيني ولا تلفزيون ببطارية الجرار الروسي يُعتبر العمدة الرسمي للشارع. أما لو حد مرض، كانوا يوصفوا له "فرخة مع مرقة" ويشرب كينا الحديدية، والعافية بترجع في لمح البصر. مفيش مستشفيات سبع نجوم ولا عمليات قيصرية؛ الست كانت تولد وهي في الغيط بتضم القمح، والمستوصف كان أحسن من أي منتجع صحي .   الأكل؟ كنا ما بنعرفش حاجة اسمها كورسان ولا فخفخينا ولا بيتزا ولا بشاميل. كان طبق العدس والفحل البصل والعيش البلدي هم نجوم المائدة. أما عن التعليم، فمصدر المعرفة كان الجاموسة والبقرة وشيخ الجامع. ومع ذلك، طلعنا نجيب محفوظ وطه حسين وزويل وأم كلثوم .   إنما دلوقتي يا زعبولة، كله عايز البوفيه المفتوح والكابوتشينو بوش كريمي، ومطاعم بتغير لك ...