التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تركيا بقيادة أردوغان تسعى لاستعادة الهيمنة العثمانية في الشرق الأوسط، من سوريا إلى البلقان وأفريقيا، مع سياسات توسعية وطموحات استراتيجية.

 


كتب:فرشوطي محمد
تشير "العثمانية الجديدة" إلى المفهوم الجيوسياسي الذي يعكس تطلعات تركيا الحديثة، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، لاستعادة نفوذ الإمبراطورية العثمانية، ولو بصيغ جديدة تتجاوز السيطرة المباشرة إلى الهيمنة السياسية والعسكرية.

هذا الطموح يندرج ضمن رؤية تسعى إلى استعادة الهيبة الإقليمية وتحقيق دور مركزي في العالم الإسلامي السني.

صعود العثمانية الجديدة

بدأت هذه الرؤية بالتبلور في عهد الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال خلال الثمانينيات، لكنها اتخذت أبعادًا أعمق وأكثر استراتيجية مع أردوغان، الذي وصف بأنه "سلطان العصر الحديث".

استندت هذه الرؤية إلى صياغة أيديولوجية قدمها أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق، تحت مفهوم "العمق الاستراتيجي"، حيث تعمل تركيا على تعزيز نفوذها في المناطق التي كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، مثل الشرق الأوسط والبلقان وآسيا الوسطى.

الخطوات العملية

شهدت سوريا أبرز تحركات تركيا لتحقيق هذه الرؤية. قدمت أنقرة الدعم للمتمردين والجماعات المسلحة، بما في ذلك هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، لتغيير موازين القوى في سوريا.

في المقابل، أصبحت المناطق الشمالية السورية أشبه بمحمية تركية تخضع لنفوذ أنقرة.

لم تتوقف تحركات تركيا عند سوريا، بل امتدت إلى ليبيا عبر دعم حكومة الوفاق، وناغورني كاراباخ في الصراع الأذري-الأرميني، بالإضافة إلى تعزيز حضورها في البلقان وأفريقيا، بما في ذلك الصومال.

الرموز السياسية والدينية

حرص أردوغان على تعزيز الروح القومية والدينية بإعادة إحياء رموز الإمبراطورية العثمانية. ومن أبرز الخطوات المثيرة للجدل تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، في خطوة تُعتبر رمزية لاستعادة الهوية الإسلامية للإمبراطورية العثمانية.

كما حرص على زيارة قبور سلاطين عثمانيين، مثل سليم الأول، والاحتفال بذكرى فتح القسطنطينية.

المكاسب والتحديات

تمكنت تركيا من تحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة، منها تقليص نفوذ إيران الشيعية والوجود الروسي في سوريا، بالإضافة إلى الحد من التحركات الكردية. كما عززت أنقرة دورها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في مسارات الأحداث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

مع ذلك، يثير هذا النهج قلقًا دوليًا، حيث تُتهم تركيا بالسعي لإحياء إمبراطورية عثمانية جديدة تتحدى القوى الغربية والإقليمية.

أردوغان: من لاعب كرة قدم إلى "سلطان"

منذ توليه السلطة قبل أكثر من عقدين، أظهر أردوغان قدرة على تعزيز قبضته داخليًا وخارجيًا. قاد إصلاحات دستورية منحت الرئاسة سلطات واسعة، وقضى على المعارضة الداخلية ليكرس نفسه كقائد طموح يسعى لإعادة صياغة الدور التركي عالميًا.

تركيا في 2024: العودة إلى مركز المسرح

في العام 2024، كرّس أردوغان طموحه ليصبح "سلطانًا" جديدًا، مستندًا إلى رؤية تعتمد على استعادة أمجاد الماضي العثماني وتوظيفها لتحقيق دور إقليمي وعالمي بارز.

هذه الطموحات، وإن أثارت الإعجاب لدى البعض، تثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار الإقليمي والتوازنات الدولية.

-------------
نشر في صحيفة الجمهورية والعالم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحراء الفكر: رحلة البحث عن الحقيقة

  كنت تائهًا في الصحراء، أسير بلا اتجاه، كأن الرمال تمتد بلا نهاية، والأفق يبتلع قدميّ مع كل خطوة.  الليل قد حل، والقمر يضيء السماء بنوره الفضي، يلقي ظلاله على كثبان الرمال كأنه يراقبني بصمت. شعرت بالإرهاق، فبحثت عن مأوى حتى وجدت شجرة وحيدة تقف كحارس قديم وسط العدم. جلست تحتها محاولًا استعادة أنفاسي، وفجأة، رأيتها. امرأة تجلس هناك، وكأنها جزء من المشهد، عيناها تعكس ضوء القمر، وملامحها هادئة كأنها لم تتوه قط.  شعرت أنني لم أصل إلى الشجرة صدفة… كان لا بد أن ألتقي بها، وكان لا بد أن يدور هذا الحوار   الرجل : هل أنتِ حقيقية أم أنني أهذي من العطش؟ المرأة : أنا حقيقية بقدر ما تريدني أن أكون. لكن السؤال الأهم… هل تعرف من أنت؟ الرجل : كنت أعتقد أنني أعرف، لكن الصحراء تسلب منك كل يقين… تجعل كل شيء يبدو بلا معنى . المرأة : ربما لأن المعاني التي كنت تحملها لم تكن حقيقية منذ البداية، بل مجرد أوهام صُنعت لك، فصدّقتها دون أن تسأل . الرجل : ولهذا أريد أن أمسح كل شيء… أن أبدأ من جديد. كل ما نعرفه—اللغة، القوانين، الأديان، حتى طريقة تفكيرنا—كلها صُنع بشري، لكنها تُفرض عل...

"الزٌنجٌفر" الهندي" وميناتى هاتو" وحمار فرشوطى

كتب - فرشوطى محمد من نعم الله عليّ أن لي حمارًا أجلس إليه أحيانًا لأناقشه في شؤون الحياة؛ فهو – على جهله – أصدق فهمًا من كثير من البشر. وفي إحدى تلك الجلسات حكيت له قصة البنت الهندية . وبينما كنت أشرح للحمار نظرية الجمال في بلاد الهند، قلت له: كانت البنت "ميناتي هاتو" هندية… لكن يا حمار، هندية من النوع الفاخر، مش أي هندية والسلام. يعني لو شافها مهراجا هندي كان قال: "دي لازم تبقى بنتي رسمي!" عينان سوداوان واسعتان كعيون المها، وصفاء مقلتيها كصفاء السماء بعد ما الحكومة تكنسها من الغيوم. هيفاء القوام، وثغرها فاتن من غير "روج"، وما بتحطش على شعرها "الزَّنجُفَر". هأ… هأ… ههههه! إيه بقى؟ هيه… هيه… دي يا حمار؟ أصلك يا فرشوطى أفندي عندك قدرة عجيبة على الكلام اللي يموت من الضحك. طيب فهمنا إن "ميناتي هاتو" هندية وجميلة وثغرها فاتن… لكن إيه حكاية "الزَّنجُفَر" ده؟ اسم أكلة هندية مثلًا؟ قلت له وأنا أتنهد من ثقل جهله: يا حمار… "الزَّنجُفَر" ده صبغة حمراء نسوان الهند بيحطوها في فرق الشعر. اسمها الفيرميليون. ولما تشوف واحدة هندية...

من وصفة "مرقة الفرخة" إلى مستشفيات السبع نجوم: ماذا تغير؟

  الناس اللي قاعدة تتكلم عن الغلاء وفروق الأسعار بين زمان ودلوقتي... زمان يا زعبولة ما كانش فيه لا تلفون ولا شيبسي ولا عربيات مرسيدس. كنا عايشين على لمبة الجاز، بنشرب من الترعة، وبنغسل هدومنا فيها. اللحمة كانت رفاهية بنشم ريحتها كل جمعة، وكل الأسبوع بناكل جبنة قديمة ومش ولما الحظ يبتسم شوية نحلي بسكر سف .   وكان اللي عنده عجلة صيني ولا تلفزيون ببطارية الجرار الروسي يُعتبر العمدة الرسمي للشارع. أما لو حد مرض، كانوا يوصفوا له "فرخة مع مرقة" ويشرب كينا الحديدية، والعافية بترجع في لمح البصر. مفيش مستشفيات سبع نجوم ولا عمليات قيصرية؛ الست كانت تولد وهي في الغيط بتضم القمح، والمستوصف كان أحسن من أي منتجع صحي .   الأكل؟ كنا ما بنعرفش حاجة اسمها كورسان ولا فخفخينا ولا بيتزا ولا بشاميل. كان طبق العدس والفحل البصل والعيش البلدي هم نجوم المائدة. أما عن التعليم، فمصدر المعرفة كان الجاموسة والبقرة وشيخ الجامع. ومع ذلك، طلعنا نجيب محفوظ وطه حسين وزويل وأم كلثوم .   إنما دلوقتي يا زعبولة، كله عايز البوفيه المفتوح والكابوتشينو بوش كريمي، ومطاعم بتغير لك ...