التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سوق العقائد الكبرى: كلٌ يبيع الحقيقة!

 

انت تبع مين؟ وليه؟

 

كتب فرشوطي محمد

انت تبع مين؟ وليه؟

منذ فترة وأنا أحاول أن أفهم سؤالًا بسيطًا ظاهريًا، لكنه كفيل بأن يشعل خمسين مناظرة، وثلاثة تكفيرات، وأربع جلسات قهوة:
"انت تبع مين؟"

الغريب أن السؤال لا يُقصد به أحيانًا معرفة الإنسان بقدر ما يُقصد به معرفة اللافتة المعلّقة فوق رأسه. كأن البشر لم يعودوا بشرًا، بل أصبحوا أقسامًا في سوبرماركت العقائد: هذا رفُّ الأشاعرة، وهذا ركن الماتريدية، وهذا جناح الحركات الإسلامية، وتلك قاعة الطرق الصوفية… وفي الخلف مخزن الجماعات الغاضبة.

ولو جلس إنسان بسيط يحصي هذه العناوين لاحتاج إلى دفتر محاسبة، وربما آلة حاسبة أيضًا، لأن القائمة – ما شاء الله – طويلة لدرجة أن الواحد قد ينسى نفسه وسطها.

فلو سألناك: انت تبع مين؟
قد يقال لك: هل أنت من عقيدة أهل السنة والجماعة؟
أم من الأشاعرة؟ أم الماتريدية؟ أم المعتزلة؟ أم الزيدية؟ أم الإمامية الاثنا عشرية؟ أم الإباضية؟ أم من المرجئة أو الخوارج أو الكرامية؟

ولو تركنا علم الكلام قليلًا ودخلنا عالم التنظيمات، سنجد أن القائمة تكبر ككرة ثلج:

جماعة أهل الحديث،
أنصار السنة المحمدية،
جماعة التبليغ والدعوة،
الإخوان المسلمون،
الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية،
حركة الاتجاه الإسلامي في تونس (حزب النهضة)،
حزب السلامة الوطني – الرفاه الإسلامي،
الحزب الإسلامي الكردستاني،
الجبهة الإسلامية القومية بالسودان،
حماس،
الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر،
حزب التحرير،
الجماعة الإسلامية بمصر،
ثم – كالعادة – يظهر من يقول: لا… أنا من جماعة داعش أو حالش أو غيرهما من التنظيمات التي تتكاثر أسرع من الفِطر بعد المطر.

ثم ندخل إلى قاعة أخرى اسمها التصوف، فنجد الطرق مصطفّة كأنها عائلات قديمة:
الشاذلية،
التيجانية،
السنوسية،
الختمية،
البريلوية،
ثم جماعات متأثرة بالصوفية مثل:
الديوبندية،
المهدية،
النورسية.

وبين هذه وتلك نجد جماعات أخرى أكثر حماسة أو غرابة:
جماعة المسلمين (التكفير والهجرة)،
الأحباش،
الحزب الجمهوري في السودان.

ثم، لو ابتعدنا قليلًا عن الوسط، سنجد ما يسميه المؤرخون الحركات الباطنية:
الإسماعيلية،
القرامطة،
النصيرية،
الدروز،
الحشاشون،
اليزيدية،
البهائية،
البابية،
القاديانية،
بل وحتى فروع مثل البهرة والأغاخانية.

ثم تأتي جماعات أخرى خرجت بعيدًا جدًا حتى صار بينها وبين الأصل مسافات طويلة:
مثل أمة الإسلام في الغرب (البلاليون) والفراخانية.

ولو ظننت أن القائمة انتهت… فأنت طيب القلب.
لأنك إذا التفت يمينًا ستجد من يحدثك عن اليهودية وفروعها:
اليهودية،
الدونمة،
الصهيونية،
الماسونية،
بناي برث،
ثم جمعيات مثل الروتاري والليونز والروتراكت.

وإن التفت شمالًا ستجد عالم النصرانية:
الأرثوذكس،
الكاثوليك،
البروتستانت،
المارونية،
الجزويت،
المورمون،
شهود يهوه،
الأبوس ديي،
المونية.

وإن دققت أكثر في التفاصيل ستجد أسماء أخرى تتسلل إلى القائمة مثل:
السلفية،
الجامية أو المدخلية،
القرآنيين،
الأحمدية اللاهورية… وغيرهم.

وهنا، بعد كل هذه الرفوف والأدراج واللافتات، قد يجلس إنسان بسيط في آخر القاعة ويسأل في هدوء:

يا جماعة الخير…
قبل أن نسأل: "انت تبع مين؟"
أليس من الأجدر أن نسأل: "انت إنسان إزاي؟"

لأن التاريخ – يا سادة – لم يمتلئ بالمذاهب لأن البشر أشرار، بل لأن البشر مختلفون.
والمشكلة ليست في وجود الفرق…
بل في أن كل فرقة تظن أنها الكون كله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحراء الفكر: رحلة البحث عن الحقيقة

  كنت تائهًا في الصحراء، أسير بلا اتجاه، كأن الرمال تمتد بلا نهاية، والأفق يبتلع قدميّ مع كل خطوة.  الليل قد حل، والقمر يضيء السماء بنوره الفضي، يلقي ظلاله على كثبان الرمال كأنه يراقبني بصمت. شعرت بالإرهاق، فبحثت عن مأوى حتى وجدت شجرة وحيدة تقف كحارس قديم وسط العدم. جلست تحتها محاولًا استعادة أنفاسي، وفجأة، رأيتها. امرأة تجلس هناك، وكأنها جزء من المشهد، عيناها تعكس ضوء القمر، وملامحها هادئة كأنها لم تتوه قط.  شعرت أنني لم أصل إلى الشجرة صدفة… كان لا بد أن ألتقي بها، وكان لا بد أن يدور هذا الحوار   الرجل : هل أنتِ حقيقية أم أنني أهذي من العطش؟ المرأة : أنا حقيقية بقدر ما تريدني أن أكون. لكن السؤال الأهم… هل تعرف من أنت؟ الرجل : كنت أعتقد أنني أعرف، لكن الصحراء تسلب منك كل يقين… تجعل كل شيء يبدو بلا معنى . المرأة : ربما لأن المعاني التي كنت تحملها لم تكن حقيقية منذ البداية، بل مجرد أوهام صُنعت لك، فصدّقتها دون أن تسأل . الرجل : ولهذا أريد أن أمسح كل شيء… أن أبدأ من جديد. كل ما نعرفه—اللغة، القوانين، الأديان، حتى طريقة تفكيرنا—كلها صُنع بشري، لكنها تُفرض عل...

"الزٌنجٌفر" الهندي" وميناتى هاتو" وحمار فرشوطى

كتب - فرشوطى محمد من نعم الله عليّ أن لي حمارًا أجلس إليه أحيانًا لأناقشه في شؤون الحياة؛ فهو – على جهله – أصدق فهمًا من كثير من البشر. وفي إحدى تلك الجلسات حكيت له قصة البنت الهندية . وبينما كنت أشرح للحمار نظرية الجمال في بلاد الهند، قلت له: كانت البنت "ميناتي هاتو" هندية… لكن يا حمار، هندية من النوع الفاخر، مش أي هندية والسلام. يعني لو شافها مهراجا هندي كان قال: "دي لازم تبقى بنتي رسمي!" عينان سوداوان واسعتان كعيون المها، وصفاء مقلتيها كصفاء السماء بعد ما الحكومة تكنسها من الغيوم. هيفاء القوام، وثغرها فاتن من غير "روج"، وما بتحطش على شعرها "الزَّنجُفَر". هأ… هأ… ههههه! إيه بقى؟ هيه… هيه… دي يا حمار؟ أصلك يا فرشوطى أفندي عندك قدرة عجيبة على الكلام اللي يموت من الضحك. طيب فهمنا إن "ميناتي هاتو" هندية وجميلة وثغرها فاتن… لكن إيه حكاية "الزَّنجُفَر" ده؟ اسم أكلة هندية مثلًا؟ قلت له وأنا أتنهد من ثقل جهله: يا حمار… "الزَّنجُفَر" ده صبغة حمراء نسوان الهند بيحطوها في فرق الشعر. اسمها الفيرميليون. ولما تشوف واحدة هندية...

من وصفة "مرقة الفرخة" إلى مستشفيات السبع نجوم: ماذا تغير؟

  الناس اللي قاعدة تتكلم عن الغلاء وفروق الأسعار بين زمان ودلوقتي... زمان يا زعبولة ما كانش فيه لا تلفون ولا شيبسي ولا عربيات مرسيدس. كنا عايشين على لمبة الجاز، بنشرب من الترعة، وبنغسل هدومنا فيها. اللحمة كانت رفاهية بنشم ريحتها كل جمعة، وكل الأسبوع بناكل جبنة قديمة ومش ولما الحظ يبتسم شوية نحلي بسكر سف .   وكان اللي عنده عجلة صيني ولا تلفزيون ببطارية الجرار الروسي يُعتبر العمدة الرسمي للشارع. أما لو حد مرض، كانوا يوصفوا له "فرخة مع مرقة" ويشرب كينا الحديدية، والعافية بترجع في لمح البصر. مفيش مستشفيات سبع نجوم ولا عمليات قيصرية؛ الست كانت تولد وهي في الغيط بتضم القمح، والمستوصف كان أحسن من أي منتجع صحي .   الأكل؟ كنا ما بنعرفش حاجة اسمها كورسان ولا فخفخينا ولا بيتزا ولا بشاميل. كان طبق العدس والفحل البصل والعيش البلدي هم نجوم المائدة. أما عن التعليم، فمصدر المعرفة كان الجاموسة والبقرة وشيخ الجامع. ومع ذلك، طلعنا نجيب محفوظ وطه حسين وزويل وأم كلثوم .   إنما دلوقتي يا زعبولة، كله عايز البوفيه المفتوح والكابوتشينو بوش كريمي، ومطاعم بتغير لك ...